الشيخ محمد علي طه الدرة
443
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
الْأَهِلَّةِ جمع : هلال ، سمّي به القمر لرفع أصواتهم عند رؤيته في جهة المغرب في أوّل الشهر . واختلف اللّغويون إلى متى يسمّى هلالا ، فقال الجمهور : يقال لليلتين ، وقيل : لثلاث ، ثم يكون قمرا . وقال أبو الهيثم : لليلتين من أوّل الشهر ، ولليلتين من آخره ، وما بينهما قمر . انتهى جمل نقلا عن السّمين . هذا ؛ وجمع الهلال على : أهلة ، وهو واحد في الحقيقة من حيث كونه هلالا واحدا في شهر غير كونه هلالا في آخر ، فإنّما جمع أحوال من الأهلة ، ويريد بالأهلة شهورها ، وقد يعبّر بالهلال عن الشهر لحلوله فيه . وقيل : سمّي شهرا ؛ لأن الأيدي تشير بالإشارة إلى موضع الرؤية ، ويدلون عليه . وانظر الآية رقم [ 184 ] . قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ : تبيين لوجه الحكمة في زيادة القمر ، ونقصانه ، وهو زوال الإشكال في الآجال ، والمعاملات ، والأيمان ، والحجّ ، والعدد ، والصّوم ، والفطر ، ومدّة الحمل ، والإجارات ، والأكرية إلى غير ذلك من مصالح العباد . ونظيره قوله تعالى في سورة ( الإسراء ) رقم [ 12 ] : وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ، وقوله تعالى في سورة يونس رقم [ 5 ] : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ . هذا ؛ و مَواقِيتُ جمع : ميقات ، مثل موازين ، ومواعيد ، ومواريث ، جمع : ميزان ، وميعاد ، وميراث ، والأصل : موزان ، وموعاد ، وموراث ، وموقات ، قلبت الواو ياء لسكونها ، وانكسار ما قبلها ، وردت الواو لأصلها في الجمع ؛ لأن جمع التكسير يرد الأشياء إلى أصولها . وإنّما خصّ الحج بالذكر ؛ لأنّه ممّا يحتاج فيه إلى معرفة الوقت ، وأنه لم يقع فيه النسيء الّذي كانت العرب تفعله في الجاهلية من تأخير حرمة شهر إلى آخر . تنبيه : لقد استدل مالك ، وأبو حنيفة ، وأصحابهما على أنّ الإحرام بالحجّ يصحّ ، وينعقد في غير أشهر الحجّ بهذه الآية ؛ لأنّ اللّه تعالى جعل الأهلة كلّها ظرفا لذلك ، وخالف في ذلك الشافعي لقوله تعالى : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ رقم [ 197 ] . وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها أي : ليس البر بدخولكم المنازل من ظهورها ، كما كنتم تفعلون في الجاهلية . وانظر : الْبِرُّ في الآية رقم [ 177 ] . وَلكِنَّ الْبِرَّ : عمل الخير ؛ الذي يحبه اللّه ، ويرضاه . مَنِ اتَّقى : امتثل أمر اللّه فيما أمر ، واجتنب كل ما نهى عنه ، فهذا الذي يقربكم إلى اللّه . وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها : ادخلوها كعادة الناس من الأبواب . وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ تقدّم شرح مثل ذلك كثيرا . هذا ؛ وحكى المهدوي ، ومكيّ عن ابن الأنباري ، والماورديّ عن ابن زيد - رحم اللّه الجميع - : أنّ الآية مثل في جماع النساء ، أمر بإتياتهن في القبل ، لا من الدبر ، وسمّي النساء بيوتا للإيواء إليهن كالإيواء إلى البيوت . قال ابن عطية : وهذا بعيد مغير نمط الكلام . أقول : بحث ذلك يأتي في الآية رقم [ 222 ] الآتية ، وانظر : ( ائتوا ) في الآية [ 23 ] .